/ الفَائِدَةُ : ( 3 ) /

05/01/2026



بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / أَنواع الإِحاطة / يَجْدُرُ الْاِلْتِفَات : أَنَّ الإِحاطةَ على أَنحاءٍ ثلاثةٍ : أَحدها : الإِحاطة الْمَادِّيَّة الجغرافيَّة . وهذه لا تُحيط إِلَّا بالسَّطح والظَّاهر فقط . ومجالها : إِذا كان المُحيط من عَالَم الأَجسام الغليظة . مثالها : إِحاطة الكرة الكبيرة بالكرة الصغيرة . وهذا النحو وإِن عُدَّ نحو من أَنحاء الإِحاطة في عِلْمِ : الرياضيِّات والهندسة ، لكنَّه بالدِّقَّة العقليَّة فيه مسامحة ظاهرة . ومنه يتَّضح : أَنَّ الدِّقَّة الْعَقْلِيَّة تفوق الدِّقَّة في عِلْمِ : الرياضيَّات والهندسة ؛ لإِعتمادهما على قوَّة الخيال(1)، بخلاف الدِّقَّة الْعَقْلِيَّة ؛ فإِنَّها أَشرس مِنْ دُونِ قِيَاسٍ ؛ لإِعتمادها على قوَّة الْعَقْل . والْفَارِقُ بين الْقُوَّتَيْنِ عَظِيمٌ وَشَاسِعٌ جِدّاً ، بَلْ مِنْ دُونِ قِيَاسٍ أَيضاً ؛ فإِنَّ الْعَقْلَ عَيْنٌ مُسَلَّحَةٌ أَشْرَسُ مِنْ عَيْنِ قُوَّةِ الْخَيَالِ بِمَرَاتِبَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ . وهذه نُكْتَةٌ نفيسةٌ تأتي في أَبْوَاب الْمَعَارِف الْإِلَهِيَّة . ثانيها : الإِحاطة الماديَّة غير الجغرافيَّة . وهذه تُحيط بالظَّاهر والباطن ، لكنَّها تبقىٰ ماديَّة وجسمانيَّة ولها مقدار . ومجالها : إِذا كان المُحيط من عَالَم المادَّة وعَالَم الأَجسام اللَّطِيفَة . مثالها : إِحاطة الأَشعَّة البنفسجيَّة أَو الحمراء أَو فوقها أَو تحتها بالأَجسام الأَغلظ . لكن : هناك نواقص في هذه الإِحاطة ، فضلاً عن الإِحاطة الماديَّة الجغرافيَّة ؛ منها : أَوَّلاً : أَنَّ الاحاطة الماديَّة غير الجغرافيَّة ـ فضلاً عن الجغرافيَّة ـ مهما علت وبلغت لَابُدَّ أَنْ تكون ناقصة ، فإِحاطة الأَشعَّة والطَّاقات بالأَجسام الأَغلظ وإِنْ كانت أَكمل نسبيّاً من إِحاطة الجسم الكبير بالصَّغير ، لكنَّها تبقىٰ ناقصة ؛ لأَنَّ عناصر وذرَّات الأَشعة والطَّاقات وإِنْ نفذت في الأَجسام والمواد الأَغلظ ، لكن نفس الأَجسام والمواد الأَغلظ تتكوَّن من لطائف ماديَّة ، وما إِنْ تتساوىٰ درجات اللَّطافة في مواد الأَشعَّة والطَّاقات مع درجات اللَّطافة في المواد الصَّاعدة للأَجسام فلا تنفذ ولا تُحيط تلك الأَشعَّة والطَّاقات بتلك الدَّرجة من الأَجسام ، وتمرُّ على سطوح تلك المواد فيصير لقاء سطح بسطح . إِذَنْ : الدُّخول والنُّفوذ المادِّي الجغرافي ، بل والدُّخول والنُّفوذ المادِّي غير الجغرافي من أَضعف أَنواع الدُّخول والنُّفوذ ؛ لعدم حصول تشابك حقيقي ، بل تلوُّن سطوح . ثانياً : أَنَّ بعض الُمحيط وإِنْ كان حاضراً في جانب من جوانب الُمحاط ، لكنَّه ليس بحاضر في الجوانب الأُخرىٰ ؛ فإِحاطة الأَشعَّة وسائر القوىٰ الماديَّة والطَّاقات بالجسم الأَغلظ وإِنْ كانت نافذة وحاضرة في أَحد جوانبه لكنَّها لا تكون نافذة وحاضرة في جوانبه الأُخرىٰ ؛ لأَنَّ هذه القوىٰ والطَّاقات بعدما كانت من عَالَم الأَجسام والمادة ، وطبيعة هذا العَالَم : أَنَّ بعض جوانبه تغيب عن جوانبه الأُخرىٰ . وهذا بخلاف نفوذ وحضور واحاطة المجرَّدات التَّامَّة كنفوذ وحضور واحاطة الباري ـ الُمسمَّىٰ ـ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) ونفوذ وحضور واحاطة الأَسماء والصِّفات الإِلٰهيَّة ومرادفاتها العقليَّة الإِلٰهيَّة ـ طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة ـ فإِنَّ جملة ابعاض الْمُحَاطِ وَأَجْزَاءَهُ وَذَرَّاتِهِ، وَشَرَاشِرِهِ، وَشُؤُونِهِ، وَأَحْوَالِهِ حَاضِرَةٌ لدىٰ الْمُحِيطِ كَنُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَغِيبُ عنه شَيْءٌ. ثالثها : الإِحاطة التجرُّديَّة ، وهذه إِحَاطَةٌ وُجُودِيَّةٌ ، تكون فيها لِلْمُحِيطِ هَيْمَنَةٌ وَإِحَاطَةٌ، وَقُدْرَةٌ أَعْظَمُ وجوداً وَكَمَالاً من هَيْمَنَةِ ، وَإِحَاطَةِ ، وَقُدْرَةِ ، وَوُجُودِ ، وَكَمَالِ الْمُحَاطِ . ومجالها : إِذا لم يكن الْمُحِيط من عَالَم المادَّة والأَجسام ، وإِنَّما كان من عَالَم المُجرَّدات تجرُّداً تامّاً ـ كـ : الذَّات الإِلٰهيَّة الأَزليَّة المُقدَّسة ، وعَالَم الأَسماء والصِّفات الإِلٰهيَّة ؛ طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة ـ ، فتكون نِسْبَة الْمُحِيط إِلى جملة المُحاط ظاهره وباطنه نِسْبَة واحدة . نظيره : نقطة مركز الدائرة بلحاظ جميع نقاط محورها(2) ، فإِنَّ نسبتها إِلى الجميع واحدة ؛ من دون أَيّ تبعُّض وتفاوت(3). مثالها : ما أَشارت إِليه بيانات الوحي ، منها : أَوَّلاً : بيان قوله (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) : [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى] (4). أَي : أَنَّ قربه وقدرته وسيطرته وهيمنته على جملة المخلوقات واحدة ، لا تتبعَّض ولا تتفاوت ، فهو (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) : [لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ] (5) . نظيره : نقطة مركز الدائرة بلحاظ جميع نقاط محورها(6) ، فإِنَّ نسبتها إِلى الجميع واحدة ؛ من دون أَيّ تبعُّض وتفاوت . مثالها : ما أَشارت إِليه بيانات الوحي ، منها : أَوَّلاً : بيان قوله (جَلَّ وَعَلَا) : [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى] (7). أَي : أَنَّ قربه وقدرته وسيطرته وهيمنته على جملة المخلوقات واحدة ، لا تتبعَّض ولا تتفاوت ، فهو (جَلَّ جَلَالُهُ) : [لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ] (8) . إِذنْ : نِسْبَة المخلوقات بالنِّسْبَة إِليه (جَلَّ ذِكْرُهُ) تتوحَّد ، فلا يغيب شيء عنه ؛ فجملة العوالم وكافَّة المخلوقات غير المتناهية في حضورٍ واحدٍ لديه . وهذا ما تُشِير إِلَيْه بيانات الوحي الْمَعْرِفِيَّة الْأُخْرَى ، منها : 1ـ بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؛ فإِنَّه سُئل : « عن قوله اللَّـه (عَزَّ وَجَلَّ) : [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى] ، فقال : استوىٰ من كُلِّ شيء ، فليس شيء أَقرب منه من شيء »(9). 2ـ بيان الإِمام الكاظم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عن يعقوب بن جعفر الجعفري ، قال : « ذُكر عنده قوم زعموا أَنَّ اللَّـه (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) ينزل إِلى السَّماء الدُّنيا ، فقال : إِنَّ اللَّـه لا ينزل ولا يحتاج إِلى أَنْ ينزل ، إِنَّما منظره في القرب والبُعد سوآء ، لم يبعد منه قريب ، ولم يقرب منه بعيد ، ولم يحتج إلى شيءٍ ، بل يُحتاج إِليه ...»(10). 3ـ بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً ، عن القاسم بن يحيىٰ ، عن جدِّه الحسن ، قال : « وسُئِلَ عن معنىٰ قول اللَّـه : [عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى]، قال : استولىٰ على ما دقَّ وجلَّ »(11). ثانياً : بيان قوله (جَلَّ قَوْله) : [أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ] (12). ومعناه : أَنَّه (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) لا يحدّه ولا يحبسه مكان ولا زمان . ثالثاً : بيان قوله (عَزَّ مِنْ قَائِل) : [وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا] (13). ودلالته قد اِتَّضحت . وبالجملة : النِّسْبَة بين الشيء الواحد والأَشياء الكثيرة إِنْ كانت واحدة ولم تختلف فالإِحاطة منه لها تجرُّديَّة ، وإِلَّا فماديَّة . إِذنْ : في عَالَم المُجرَّدات تجرُّداً تامّاً ـ كـ : طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة ـ لا توجد أَبداً نِسب مُتكثِّرة ، وإِنَّما نِسبة فاردة . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عَالَم الخيال : عَالَم أَلطف من عَالَم الحسّ اللَّطيف ، وهو على مراتب وأَقسام وأَنواع ؛ كعَالَم الحسّ . (2) مرجع الضمير : (الدائرة). (3) لَا بَأْسَ بالْاِلْتِفَات في المقام إِلى الأَمرين التَّاليين : الأَمر الأَوَّل : /الدَّائرة والكرة من اقدس الأَشكال المخلوقة/ اعتبر علماء الرياضيَّات والهندسة منذ القِدَم : أَنَّ الدائرة أَو الكرة من أَقدس الأَشكال المخلوقة ، وتُؤخذ کمثال حسِّي وتقريبي لبيان أَوَّليَّة مُطْلَق الحَقِيقَةِ ؛ الذَّات الْإِلَهِيَّة الْأَزَلِيَّة الْمُقَدَّسَة وأَنَّها عين آخريَّتها ، وليست للذَّات الْإِلَهِيَّة الْمُقَدَّسَة حالة تصرُّمٍ ولا حالة ترقُّبٍ لأُمور أُخرىٰ ، فهي كالنقطة المركزيَّة في الدَّائرة ؛ فإِنَّها إِذا قيست إِلى نقاط محورها كانت أَوَّليَّة هذه النقاط بالنِّسبة إِلى مركز الدَّائرة عين آخریَّتها ، وليست هناك حالة تصرُّم في الأَوَّليَّة ، ولا حالة ترقُّب في الآخريَّة ، وهي تُحيط بالكُلِّ ؛ فنسبة نقطة مركز الدَّائرة إِلى بدايات نقاط محورها عين نسبتها إِلى مُتوسِّطات نقاط محورها ، وعين نسبتها إِلى نهايات نقاط محورها . إِذَنْ : ليس هناك تصرّم (أي ماضٍ ينقضي ويذهب) في مُطْلَقِ الحَقِيقَةِ ؛ الذَّات الْإِلَهِيَّة الْأَزَلِيَّة الْمُقَدَّسَة ، ولا ترقب (أي مستقبل يُنتظر حدوثه) ؛ لِأَنَّ الله (تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ) فوق الزمان ، فكلُّ الْأُمُور عنده في "آنٍ" واحدٍ دائمٍ. الأَمر الثَّاني : /الدَّائرة والكرة رمزان رياضيَّان معرفيَّان يوضِّحان علاقة اللَّطيف بالأَغلظ/ الدَّائرة والكرة رمزان رياضیَّان معرفیَّان عظيمان لتقريب علوم ومباحث المعارف الإِلٰهيَّة إِلى الأَذهان والعقول ، ولشرح وبيان جملة أُمور ، منها : علاقة ونسبة الجسم اللَّطيف إِلى كافَّة بقاع الجسم الأَغلظ واجزاءه وشراشره ؛ فإِنَّها واحدة ، كنقطة مركز الدَّائرة أَو الكرة بلحاظ الجسم المُتحرِّك في مُحيطها ، فإِنَّ نقاط المحيط إِذا قيست إِلى الجسم الُمتحرِّك فيها كانت متفاوتة في البعد والقرب ، لكنَّها إِذا قيست إِلى مركز دائرتها أَو مركز كرتها كانت في البُعد والقرب سوآء ، فأَوَّليَّتها عين آخريَّتها ، وآخريَّتها عين أَوَّليَّتها . وهذا المثال وإِنْ كان جسمانيّاً وحسيّاً وماديّاً ، ويُقرِّب من جهة ويُبعِّد من جهات ، لكنَّه بديع ، ويوضِّح علاقة اللطيف بالأَغلظ ونسبته إِليه ، والمخلوقات وإِنْ كان ماضيها غير حاضرها ومستقبلها ، وحاضرها غير ماضيها ومستقبلها ، ومستقبلها غير ماضيها وحاضرها ، لكنَّها إِذا قیست إِلى باريها (تقدَّس ذكره) كانت نسبتها إِليه تعالىٰ واحدة من دون أَي تفاوت ، فأَوَّليَّته تعالىٰ عين آخريَّته ، وآخريَّته عين أَوَّليَّته ، وأَزلیَّته عین سرمديَّته ، ولا يتجدَّد فيه شيء ، ولا يتصرَّم ولا يتبدَّد منه شيء ، وهو في كُلِّ شيءٍ . وتصوُّر هذه المعادلات يستعصي على أَذهان عقول روَّاد العلوم البشريَّة ـ كروَّاد عِلْم : الفيزياء ، والكيمياء ، والاحياء ، والرياضيَّات ، والهندسة ، والفضاء ـ ؛ لكونهم مُتخلِّفين في المعرفة العقليَّة ـ إِلَّا الموحدون منهم ـ فالعين العقليَّة ليست بمُتطوِّرة ولا نامية لديهم ، كحال الحيوانات ؛ فإِنَّ جانب الحسِّ وإِنْ كان قويّاً لديها ، لكن جانب العقل ضعيف عندها . وعليه : فلا تُبْنَىٰ الحضارة والتنمية البشريَّة اعتماداً على الجانب الحيواني والحسِّ فقط ، بل وعلى الجانب العقلي ، وهو الأَخطر والأَعظم والأَهم . (4) طٰه : 5 . (5) الإخلاص : 3 . (6) مرجع الضمير : (الدائرة). (7) طٰه : 5 . (8) الإخلاص : 3 . (9) بحار الأَنوار ، 55: 7/ح5. (10) المصدر نفسه ، 3: 311/ح5. (11) المصدر نفسه : 336/ح45. أُصول الكافي، 1/باب: معاني الأَسماء واشتقاقها: 80/ح3. (12) فُصِّلَت : 54. (13) النساء : 126